السيد محمد حسين فضل الله
8
من وحي القرآن
ومصطلحات بعيدة في أسلوبها عن السياق العام لأساليب اللغة العربية ، بحيث يقف النّاس أمامها حائرين لا يجدون لديهم النور الذي يوضح لهم طبيعة المعاني ، لأنهم يخافون أن يكون المراد من الآية معنى آخر غير المعنى الظاهر منها ، من دون أيّة قرينة في داخل الكلام ، أو في أجوائه ، مما يلغي الهدف الكبير للقرآن الذي يرتكز على أساس اعتبار الآيات النازلة على النّاس طريقا للانفتاح على حركة العقل والتفكير والاهتداء ، ولتحقيق التذكّر والتقوى من خلال ذلك ، في عملية الوعي والاستيحاء ، كما جاء في قوله تعالى : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [ البقرة : 266 ] . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ البقرة : 242 ] كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ آل عمران : 103 ] . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ البقرة : 187 ] وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [ البقرة : 221 ] . ولهذا كانت مسألة حجية ظواهر القرآن من القضايا البيّنة الواضحة التي أجمع عليها العلماء من خلال حجيّة الظواهر كلّها . وإذا كان القرآن يتحدّث عن وجود متشابهات فيه ، فإن ذلك لا يعني « الرمز » ، بل يعني الكلام الذي يحتمل أكثر من وجه في مدلوله ، أو الذي يمكن أن تختلف فيه الإيحاءات ، وربّما كانت المسألة تتجه نحو الجانب التطبيقي للآيات المتشابهة في أرض الواقع ، لا في الجانب المدلولي بحيث يستغلها الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وإرجاعه إلى الأفكار التي يحرّكونها في النّاس من أجل إبعادهم عن الخط المستقيم . وبذلك يكون دور الراسخين في العلم - من خلال بعض القراءات - هو تحديد الخطوط الواقعية التي يتحرّك فيها مدلول الآية ، من خلال الأجواء